دكتور عبد العزيز الدوري
29
مقدمة في تاريخ صدر الإسلام
حتى لنجد بينهم القادة والفقهاء والكتاب ، ونجد منهم المقربين عند الخلفاء ، كما نرى من وضع سالم مولى هشام بن عبد الملك وعبد الحميد الكاتب مولى مروان بن محمد . بل نجد منهم الأئمة المرموقين كأبي حنيفة الذي كان نتيجة البيئة الأموية . ولما وصلت قوة الموالي إلى حدّ أن جعلتهم يقومون بعمل أساسي في قلب الخلافة الأموية كان من الطبيعي أن تظهر هذه القوة في مجال السياسة العلني في العصر العباسي . وتصور لنا الإدارة العباسية كأنها إدارة مركزية جديدة في كل شيء ، على أساس أنّ العباسيين أحدثوا نظام الوزارة وبدلوا طريقة الإدارة من الشكل الأموي اللامركزي إلى مركزي قوي . ولكننا حين نفحص الوضع نجد أنّ الوزراء العباسيين الأولين لا يختلفون في صلاحياتهم عن الكتاب الأمويين المقربين كعبد الحميد الكاتب . ولو عدنا القهقهرى إلى فترة أقدم من هذه لوجدنا لروح بن زنباع الجذامي من المنزلة عند عبد الملك ما أوهم بعض المؤرخين فجعله وزيرا له . ثمّ إنّ النظام الإداري الأموي كان يسير باطراد نحو المركزية ، وقد أخذ العباسيون النظام نفسه وزادوا المركزية بالتدريج أيضا . وكانت الدواوين العباسية الأولى هي الدواوين الأموية عينها ، ثم تطورت بالتدريج كما كان التطور يحصل في العصر الأموي . والخلاصة أنّ العباسيين ساروا على النظام الإداري الذي وضعه الأمويون . وحين ننظر إلى أساليب الجباية ونظام الضرائب ، نجد الوضع العباسي في بدئه هو الوضع الأموي عينه . فنظام عمر بن عبد العزيز المالي انتصر في أواخر العصر الأموي - على العكس مما يقوله المؤرخون - وساد حتى تبدل نظام الضرائب في خراسان لينسجم مع نظام عمر بن عبد العزيز . ولما جاء العباسيون ساروا على هذا النظام نفسه . ومن جهة ثانية استمرت أساليب الجباية الأموية متبعة في العصر العباسي . وهذا ما جعل بعض الناس ، خاصة في إيران ، يشعرون بأنه لم يحصل تبدل بمجيء الدولة الجديدة . وينسب للعباسيين بدء الحركة الكبرى في الترجمة . وإن نحن دققنا هذا الرأي اتضح لنا بعده عن الدقة . فالترجمة بدأت منذ العصر الأموي ، من زمن خالد بن يزيد ، وكانت فردية ، وعندنا أخبار عن ترجمات في زمن عمر بن عبد العزيز وهشام ابن عبد الملك . إننا لا ننسى حركة الترجمة الكبرى في العصر الأموي تلك التي نسميها تعريب الدواوين الذي استغرق حوالي نصف قرن . وهذه الحركة كانت عاملا أساسيا في تعريب الطبقة المثقفة من الأعاجم . وكانت ضرورة عملية لتطور الدولة في اتجاهها العربي . أمّا محاولات الترجمة في النواحي العلمية فلم تكن ضرورة عملية